فخر الدين الرازي

103

تفسير الرازي

صلداً ، ونظير قوله * ( ويربي الصدقات ) * المثل الذي ضربه الله بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة . أما قوله * ( والله لا يحب كل كفار أثيم ) * فاعلم أن الكفار فعال من الكفر ، ومعناه من كان ذلك منه عادة ، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا ، فتقول : فلان فعال للخير أمار به ، والأثيم فعيل بمعنى فاعل ، وهو الآثم ، وهو أيضاً مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام والتمادي فيه ، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون الكفار راجعاً إلى المستحيل والأثيم يكون راجعاً إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم ، فتكون الآية جامعة للفريقين . * ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَآتَوُاْ الزَّكَوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * . إعلم أن عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيداً ذكر بعده وعداً فلما بالغ ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد ، وقد مضى تفسير هذه الآية في غير موضع ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية فإنه قال : * ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * فعطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية * ( وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) * مع أنه لا نزاع في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت * ( وعملوا الصالحات ) * فكذا فيما ذكرتم ، وأيضاً قال تعالى : * ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) * ( محمد : 34 ) وقال : * ( الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) * ( البقرة : 239 ) ( المائدة : 5 ، 10 ) . وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر ، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل . المسألة الثانية : * ( لهم أجرهم عند ربهم ) * أقوى من قوله : على ربهم أجرهم لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد ، فذاك النقد هناك حاضر متى شاء البائع أخذه ، وقوله : أجرهم على ربهم .